فصل: فصلٌ: فِي الْعِدَّةِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: حُكْمُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ:

وَأَمَّا حُكْمُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا الطَّلْقَاتُ، وَالثَّانِي الطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ الْبَائِنَةُ، وَالثِّنْتَانِ الْبَائِنَتَانِ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ أَمَّا إنْ كَانَا حُرَّيْنِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَا مَمْلُوكَيْنِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا، وَالْآخَرُ مَمْلُوكًا فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِمَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ، وَالثِّنْتَيْنِ الْبَائِنَتَيْنِ هُوَ نُقْصَانُ عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ، وَإِيلَاؤُهُ وَلَا يَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَجْرِي التَّوَارُثُ وَلَا يُحَرَّمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً حَتَّى يَجُوزَ لَهُ نِكَاحُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ- وَإِنْ كَانَ بَائِنًا- فَإِنَّهُ يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ لَا زَوَالَ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ.
وَأَمَّا الطَّلْقَاتُ الثَّلَاثُ فَحُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ هُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ، وَزَوَالُ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ نِكَاحُهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ لِقَوْلِهِ- عَزَّ وَجَلَّ- {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، وَسَوَاءٌ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُتَفَرِّقًا أَوْ جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعِ التَّطْلِيقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَقَالُوا: الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ، وَالتَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ هُوَ أَنْ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فَالتَّسْرِيحُ هُوَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَ الْخَبَرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُحْتَمَلٌ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّسْرِيحُ هُوَ تَرْكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ تَقْدِيرُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ} أَيْ: طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ثَالِثَةً، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ التَّسْرِيحِ التَّطْلِيقَةُ الثَّالِثَةُ كَانَ تَقْدِيرُ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} أَيْ: طَلَّقَهَا طَلَاقًا ثَلَاثًا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَإِنَّمَا تَنْتَهِي الْحُرْمَةُ وَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِشَرَائِطَ مِنْهَا النِّكَاحُ، وَهُوَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} نَفَى الْحِلَّ، وَحَدَّ النَّفْيَ إلَى غَايَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ، وَالْحُكْمُ الْمَمْدُودُ إلَى غَايَةٍ لَا يَنْتَهِي قَبْلَ وُجُودِ الْغَايَةِ، فَلَا تَنْتَهِي الْحُرْمَةُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، فَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ قَبْلَهُ ضَرُورَةً، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا وَطِئَهَا إنْسَانٌ بِالزِّنَا أَوْ بِشُبْهَةٍ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا لِعَدَمِ النِّكَاحِ، وَكَذَا إذَا وَطِئَهَا الْمَوْلَى بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِأَنْ حَرُمَتْ أَمَتُهُ الْمَنْكُوحَةُ عَلَى زَوْجِهَا حُرْمَةً غَلِيظَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَوَطِئَهَا الْمَوْلَى لَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا؛؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى الْحِلَّ إلَى غَايَةٍ، فَلَا يَنْتَهِي النَّفْيُ قَبْلَ وُجُودِ النِّكَاحِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَيْسَ بِزَوْجٍ يَعْنِي: الْمَوْلَى.
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ عُثْمَانُ، وَزَيْدٌ وَقَالَا: هُوَ زَوْجٌ، فَقَامَ عَلِيٌّ مُغْضَبًا كَارِهًا لِمَا قَالَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِزَوْجٍ،.
وَكَذَا إنْ اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَكَذَا إذَا أُعْتِقَتْ لِمَا قُلْنَا.

.(فَصْلٌ): أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا:

وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا نِكَاحًا فَاسِدًا وَدَخَلَ بِهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ حَقِيقَةً، وَمُطْلَقُ النِّكَاحِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ نِكَاحٌ حَقِيقَةً وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ الثَّانِي مُخْتَلِفًا فِي فَسَادِهِ، وَدَخَلَ بِهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِفَسَادِهِ لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ تَزَوَّجْت بِزَوْجٍ آخَرَ وَمِنْ نِيَّتِهَا التَّحْلِيلُ فَإِنْ لَمْ يَشْرُطَا ذَلِكَ بِالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا نَوَيَا، وَدَخَلَ بِهَا عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَوَقَعَ النِّكَاحُ صَحِيحًا لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ كَمَا لَوْ نَوَيَا التَّوْقِيتَ، وَسَائِرَ الْمَعَانِي الْمُفْسِدَةِ.
وَإِنْ شَرَطَ الْإِحْلَالَ بِالْقَوْلِ، وَأَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا لِذَلِكَ، وَكَانَ الشَّرْطُ مِنْهَا فَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ عَنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ، وَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ، وَيُكْرَهُ لِلثَّانِي، وَالْأَوَّلِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: النِّكَاحُ الثَّانِي فَاسِدٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحٌ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّكَاحَ بِشَرْطِ الْإِحْلَالِ فِي مَعْنَى النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ، وَشَرْطُ التَّوْقِيتِ فِي النِّكَاحِ يُفْسِدُهُ، وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَا يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ، وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ فَكَانَ شَرْطُ الْإِحْلَالِ اسْتِعْجَالَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِغَرَضِ الْحِلِّ فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَيَبْقَى النِّكَاحُ صَحِيحًا لَكِنْ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ كَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ أَنَّهُ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِمَا قُلْنَا.
كَذَا هَذَا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عُمُومَاتِ النِّكَاحِ تَقْتَضِي الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إذَا شُرِطَ فِيهِ الْإِحْلَالُ أَوْ لَا فَكَانَ النِّكَاحُ بِهَذَا الشَّرْطِ نِكَاحًا صَحِيحًا فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فَتَنْتَهِي الْحُرْمَةُ عِنْدَ وُجُودِهِ إلَّا أَنَّهُ كُرِهَ النِّكَاحُ بِهَذَا الشَّرْطِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ، وَهُوَ السَّكَنُ، وَالتَّوَالُدُ، وَالتَّعَفُّفُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى الْبَقَاءِ، وَالدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ، وَهَذَا- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- مَعْنَى إلْحَاقِ اللَّعْنِ بِالْمُحَلِّلِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ».
وَأَمَّا إلْحَاقُ اللَّعْنِ بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُحَلَّلُ لَهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَبَبٌ لِمُبَاشَرَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي هَذَا النِّكَاحَ لِقَصْدِ الْفِرَاقِ، وَالطَّلَاقِ دُونَ الْإِبْقَاءِ، وَتَحْقِيقِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمُسَبِّبُ شَرِيكُ الْمُبَاشِرِ فِي الِاسْمِ، وَالثَّوَابِ فِي التَّسَبُّبِ لِلْمَعْصِيَةِ، وَالطَّاعَةِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ بَاشَرَ مَا يُفْضِي إلَى الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ، وَتَكْرَهُهُ مِنْ عَوْدِهَا إلَيْهِ مِنْ مُضَاجَعَةِ غَيْرِهِ إيَّاهَا وَاسْتِمْتَاعِهِ بِهَا، وَهُوَ الطَّلْقَاتُ الثَّلَاثُ إذْ لَوْلَاهَا لَمَا وَقَعَ فِيهِ فَكَانَ إلْحَاقُهُ اللَّعْنَ بِهِ لِأَجْلِ الطَّلْقَاتِ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إنَّ التَّوْقِيتَ فِي النِّكَاحِ يُفْسِدُ النِّكَاحَ فَنَقُولُ: الْمُفْسِدُ لَهُ هُوَ التَّوْقِيتُ نَصًّا.
أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ مُؤَقَّتٍ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِالطَّلَاقِ، وَبِالْمَوْتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ التَّوْقِيتُ نَصًّا، فَلَا يَفْسُدُ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ إنَّهُ اسْتِعْجَالُ مَا أَجَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ اسْتِعْجَالَ مَا أَجَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا ضَرَبَ لِأَمْرٍ أَجَلًا لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ فَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي تَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَّلَ هَذَا النِّكَاحَ إلَيْهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهَا الدُّخُولُ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي، فَلَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ تَحِلُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، وَالنِّكَاحُ هُوَ الْعَقْدُ، وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْدِ، وَالْوَطْءِ جَمِيعًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَكِنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْعَقْدِ عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَى الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، وَالْعَقْدُ يُوجَدُ مِنْهَا كَمَا يُوجَدُ مِنْ الرَّجُلِ، فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِالرَّجُلِ، وَحْدَهُ، وَالْمَرْأَةُ مَحَلُّهُ فَانْصَرَفَ إلَى الْعَقْدِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ فَإِذَا وُجِدَ الْعَقْدُ تَنْتَهِي الْحُرْمَةُ بِظَاهِرِ النَّصِّ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، وَالْمُرَادُ مِنْ النِّكَاحِ: الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الضَّمُّ حَقِيقَةً، وَحَقِيقَةُ الضَّمِّ فِي الْجِمَاعِ، وَإِنَّمَا الْعَقْدُ سَبَبٌ دَاعٍ إلَيْهِ فَكَانَ حَقِيقَةً لِلْجِمَاعِ مَجَازًا لِلْعَقْدِ مَعَ مَا أَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْعَقْدِ لَكَانَ تَكْرَارًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعَقْدِ يُفِيدُهُ ذِكْرُ الزَّوْجِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْلَى، بَقِيَ قَوْلُهُ: أَنَّهُ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَيْهَا.
وَالْجِمَاعُ مِمَّا تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الزَّوْجَيْنِ لِوُجُودِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ مِنْهُمَا حَقِيقَةً، فَأَمَّا الْوَطْءُ فَفِعْلُ الرَّجُلِ حَقِيقَةً لَكِنْ إضَافَةُ النِّكَاحِ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ ضَمٌّ وَجَمْعٌ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ وَطْءٌ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ النِّكَاحِ فِي الْآيَةِ هُوَ الْعَقْدُ فَالْجِمَاعُ يُضْمَرُ فِيهِ، عَرَفْنَا ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَضَرْبٍ مِنْ الْمَعْقُولِ أَمَّا الْحَدِيثُ فَمَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ: إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي، وَبَتَّ طَلَاقِي؛ فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ، وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ».
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَلَمْ يَذْكُرَا قِصَّةَ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهُمَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَكَشَفَ الْخِمَارَ ثُمَّ فَارَقَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَةَ الْآخَرِ».
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ عُقُوبَةً لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِمَا أَقْدَمَ عَلَى الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ شَرْعًا زَجْرًا، وَمَنْعًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ لَكِنْ إذَا تَفَكَّرَ فِي حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ إلَّا بِزَوْجٍ آخَرَ- الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ، وَتَكْرَهُهُ- انْزَجَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ لَا تَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ وَلَا تَكْرَهُهُ إذْ لَا يَشْتَدُّ عَلَى الْمَرْأَةِ مُجَرَّدُ النِّكَاحِ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْجِمَاعُ فَكَانَ الدُّخُولُ شَرْطًا فِيهِ لِيَكُونَ زَجْرًا لَهُ، وَمَنْعًا عَنْ ارْتِكَابِهِ فَكَانَ الْجِمَاعُ مُضْمَرًا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ كَأَنَّهُ قَالَ- عَزَّ وَجَلَّ: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَيُجَامِعَهَا.
وَأَمَّا الْإِنْزَالُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْإِحْلَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْجِمَاعَ غَايَةَ الْحُرْمَةِ،، وَالْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ هُوَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ فَإِذَا وُجِدَ فَقَدْ انْتَهَتْ الْحُرْمَةُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا يُجَامِعُ فَجَامَعَهَا أَوْ مَجْنُونًا فَجَامَعَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ زَوْجٍ، وَزَوْجٍ؛ وَلِأَنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ مِنْ الْمَهْرِ وَالتَّحْرِيمِ كَوَطْءِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}؛ وَلِأَنَّ وَطْأَهَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ مِنْ الْمَهْرِ، وَالتَّحْرِيمِ فَصَارَ كَوَطْءِ الْبَالِغَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ الثَّانِي حُرًّا أَوْ عَبْدًا قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، وَدَخَلَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛ وَلِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ تَتَعَلَّقُ بِوَطْءِ هَؤُلَاءِ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِوَطْءِ الْحُرِّ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَشْلُولًا يَنْتَشِرُ لَهُ، وَيُجَامِعُ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا الْفَائِتُ هُوَ الْإِنْزَالُ، وَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ كَالْفَحْلِ إذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ.
وَأَمَّا الْمَجْبُوبُ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْجِمَاعُ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ مِنْهُ السَّحْقُ، وَالْمُلَاصَقَةُ، وَالتَّحْلِيلُ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، وَأَنَّهُ اسْمٌ لِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ حَمَلَتْ امْرَأَةُ الْمَجْبُوبِ وَوَلَدَتْ هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ، وَكَانَتْ مُحْصَنَةً.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَلَا تَكُونُ مُحْصَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ لَيْسَ بِوَطْءٍ حَقِيقَةً بَلْ يُقَامُ مَقَامَ الْوَطْءِ حُكْمًا، وَالتَّحْلِيلُ يَتَعَلَّقُ حَقِيقَةً لَا حُكْمًا كَالْخَلْوَةِ فَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْحِلَّ، وَإِنْ أُقِيمَ مَقَامَ الْوَطْءِ حُكْمًا كَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْ صَاحِبِ الْفِرَاشِ مَعَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ زَانِيَةً حَقِيقَةً لِكَوْنِهِ مَوْلُودًا عَلَى الْفِرَاشِ، وَالتَّحْلِيلُ لَا يَقَعُ بِالزِّنَا وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ مِنْهُ، وَثُبُوتُ النَّسَبِ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي الْأَصْلِ فَصَارَ كَالدُّخُولِ سَوَاءٌ وَطِئَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ إحْرَامٍ لِوُجُودِ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَلَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَنَكَحَتْ كِتَابِيًّا نِكَاحًا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَا وَدَخَلَ بِهَا فَإِنَّهَا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ لِوُجُودِ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَصَارَ كَنِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُطَلَّقَةً مِنْ زَوْجٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ زَوْجَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالزَّوْجُ الْوَاحِدُ إذَا دَخَلَ بِهَا تَحِلُّ لِلزَّوْجَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ فَطَلَّقَهَا الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ زَوْجًا ثَالِثًا، وَدَخَلَ بِهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} جَعَلَ الزَّوْجَ الثَّانِي مَنْهِيًّا لِلْحُرْمَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إذَا حَرُمَتْ عَلَى زَوْجٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ وَطْءُ الزَّوْجُ الثَّانِي هَلْ يَهْدِمُ مَا كَانَ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ مِنْ الطَّلَاقِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَهْدِمُ الثَّلَاثَ، وَهَلْ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: يَهْدِمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَهْدِمُ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَجَ، وَالشُّبَهَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَغَابَتْ عَنْهُ مُدَّةً ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: إنِّي تَزَوَّجْت زَوْجًا غَيْرَكَ وَدَخَلَ بِي وَطَلَّقَنِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيُصَدِّقَهَا إذَا كَانَتْ ثِقَةً عِنْدَهُ أَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهَا صَادِقَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الدِّيَانَةِ، وَخَبَرُ الْعَدْلِ فِي بَابِ الدِّيَانَةِ مَقْبُولٌ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، كَمَا فِي الْإِخْبَارِ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَنَجَاسَتِهِ، وَكَمَا فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ تُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ فَلَمَّا وَقَعَ قَالَتْ: لَمْ أَتَزَوَّجْ زَوْجًا غَيْرَكَ أَوْ قَالَتْ: تَزَوَّجْت وَلَمْ يَدْخُلْ بِي، أَوْ قَالَتْ: قَدْ خَلَا بِي وَجَامَعَنِي فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَكَذَّبَهَا الْأَوَّلُ.
وَقَالَ: قَدْ دَخَلَ بِك الثَّانِي، لَمْ يُذْكَرْ هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا كَمَا فِي الْخَبَرِ عَنْ الْحَيْضِ، وَالْحَبَلِ، وَفِيهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهَا مَا يُكَذِّبُهَا، وَقَدْ سَبَقَ مِنْهَا مَا يُكَذِّبُهَا فِي قَوْلِهَا، وَهُوَ إقْدَامُهَا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ، وَالدُّخُولِ بِهَا فَكَانَ فِعْلُهَا مُنَاقِضًا لِقَوْلِهَا، فَلَا يُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي قَالَ لَهَا لَمْ تَتَزَوَّجِي أَوْ قَالَ لَمْ يَدْخُلْ بِك الثَّانِي.
وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ قَدْ دَخَلَ بِي قَالَ الْحَسَنُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ، وَهَذَا صَحِيحٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ جِهَتِهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا دَلِيلُ التَّنَاقُضِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، قَالَ، وَيَفْسُدُ النِّكَاحُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ وَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَالْكُلُّ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُعْتَرِفٌ بِالْحُرْمَةِ وَقَوْلُهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحُرْمَةِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْحُرْمَةِ فَكَانَ اعْتِرَافُهُ بِفَسَادِ النِّكَاحِ بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ الْفُرْقَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ الْمَهْرِ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ مَمْلُوكَيْنِ فَحُكْمُ الْوَاحِدَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَخْتَلِفُ.
وَأَمَّا حُكْمُ الِاثْنَتَيْنِ فَحُكْمُهُمَا فِي الْمَمْلُوكَيْنِ مَا هُوَ حُكْمُ الثَّلَاثِ فِي الْحُرَّيْنِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَلِّقُ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ مَمْلُوكًا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ جَانِبُ النِّسَاءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ جَانِبُ الرِّجَالِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّلَاقِ بِهِنَّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ بِهِمْ لَا بِهِنَّ، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

.(فَصْلٌ): الَّذِي يَعُمُّ الطَّلَاقَ الْمُعَيَّنَ وَالْمُبْهَمَ:

هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا بَيَانُ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ لِلطَّلَاقِ، وَأَمَّا الَّذِي هُوَ مِنْ التَّوَابِعِ فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ يَعُمُّ الطَّلَاقَ الْمُعَيَّنَ، وَالْمُبْهَمَ، وَنَوْعٌ يَخُصُّ الْمُبْهَمَ أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ الْمُعَيَّنَ، وَالْمُبْهَمَ فَوُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى بَعْضِ الْمُطَلَّقَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ الْمَدْخُولُ بِهَا.

.فصلٌ: فِي الْعِدَّةِ:

وَالْكَلَامُ فِي الْعِدَّةِ فِي مَوَاضِعَ: فِي تَفْسِيرِ الْعِدَّةِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَبَيَانِ وَقْتِ وُجُوبِهَا، وَفِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْعِدَدِ، وَسَبَبِ وُجُوبِ كُلِّ نَوْعٍ، وَمَا لَهُ وَجَبَ، وَشَرْطِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَقَادِيرِ الْعِدَدِ، وَفِي بَيَانِ انْتِقَالِ الْعِدَّةِ، وَتَغَيُّرِهَا، وَفِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُعْرَفُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا: أَمَّا تَفْسِيرُ الْعِدَّةِ، وَبَيَانُ وَقْتِ وُجُوبِهَا فَالْعِدَّةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: اسْمٌ لِأَجَلٍ ضُرِبَ لِانْقِضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ، وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هِيَ اسْمٌ لِفِعْلِ التَّرَبُّصِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي الْعِدَّتَانِ إذَا وَجَبَتَا أَنَّهُمَا يَتَدَاخَلَانِ سَوَاءٌ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ.
وَصُورَةُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ: الْمُطَلَّقَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ تَتَارَكَا حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ أُخْرَى فَإِنَّ الْعِدَّتَيْنِ يَتَدَاخَلَانِ عِنْدَنَا وَصُورَةُ الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ تَدَاخَلَتْ أَيْضًا، وَتَعْتَدُّ بِمَا رَأَتْهُ مِنْ الْحَيْضِ فِي الْأَشْهُرِ مِنْ عِدَّةِ الْوَطْءِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَمْضِي فِي الْعِدَّةِ الْأُولَى فَإِذَا انْقَضَتْ اسْتَأْنَفَتْ الْأُخْرَى احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} وقَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وقَوْله تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أَيْ: فِي التَّرَبُّصِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ فَدَلَّ أَنَّ الْعِدَّةَ تَرَبُّصٌ، سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْعِدَّةَ تَرَبُّصًا، وَهُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَهُوَ الْكَفُّ، وَالْفِعْلَانِ- وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ- لَا يَتَأَدَّيَانِ بِأَحَدِهِمَا كَالْكَفِّ فِي بَابِ الصَّوْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْعِدَّةَ أَجَلًا، وَالْأَجَلُ اسْمٌ لِزَمَانٍ مُقَدَّرٍ مَضْرُوبٍ لِانْقِضَاءِ أَمْرٍ كَآجَالِ الدُّيُونِ، وَغَيْرِهَا سُمِّيَتْ الْعِدَّةُ أَجَلًا لِكَوْنِهِ وَقْتًا مَضْرُوبًا لِانْقِضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ، وَالْآجَالُ إذَا اجْتَمَعَتْ تَنْقَضِي بِمُدَّةٍ وَاحِدَةٍ كَالْآجَالِ فِي بَابِ الدُّيُونِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ لِلْأَجَلِ لَا لِلْفِعْلِ أَنَّهَا تَنْقَضِي مِنْ غَيْرِ فِعْلِ التَّرَبُّصِ بِأَنْ لَمْ تُجْتَنَبْ عَنْ مَحْظُورَاتِ الْعِدَّةِ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَوْ كَانَتْ فِعْلًا لَمَا تُصُوِّرَ انْقِضَاؤُهَا مَعَ ضِدِّهَا، وَهُوَ التَّرْكُ.
وَأَمَّا الْآيَاتُ فَالتَّرَبُّصُ هُوَ التَّثَبُّتُ، وَالِانْتِظَارُ قَالَ تَعَالَى: {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ}.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَتَرَبَّصُوا إنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ}، وَالِانْتِظَارُ يَكُونُ فِي الْآجَالِ الْمُعْتَدَّةِ تَنْتَظِرُ انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ التَّرَبُّصَ لَيْسَ هُوَ فِعْلَ الْكَفِّ، عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَفٌّ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الْبَابِ بَلْ هُوَ تَابِعٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِدُونِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَكَذَا تَنْقَضِي بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ وَلَوْ كَانَ رُكْنًا لَمَا تُصُوِّرَ الِانْقِضَاءُ بِدُونِهِ، وَبِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَعَلَى هَذَا يُبْنَى وَقْتُ وُجُوبِ الْعِدَّةِ أَنَّهَا تَجِبُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْوَفَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ بَلَغَ الْمَرْأَةَ طَلَاقُ زَوْجِهَا أَوْ مَوْتُهُ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ طَلَّقَ أَوْ مَاتَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ يَوْمِ يَأْتِيهَا الْخَبَرُ وَجْهُ الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا كَانَ رُكْنًا عِنْدَهُ فَإِيجَابُ الْفِعْلِ عَلَى مَنْ لَا عَلِمَ لَهُ بِهِ وَلَا سَبَبَ إلَى الْوُصُولِ إلَى الْعِلْمِ بِهِ مُمْتَنِعٌ، فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ إلَّا مِنْ وَقْتِ بُلُوغِ الْخَبَرِ؛؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ وَلَمَّا كَانَ الرُّكْنُ هُوَ الْأَجَلُ عِنْدَنَا، وَهُوَ مُضِيُّ الزَّمَانِ لَا يَقِفُ وُجُوبُهُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ كَمُضِيِّ سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى فِعْلِهَا أَصْلًا، وَهُوَ الْكَفُّ فَإِنَّهَا لَوْ عَلِمَتْ فَلَمْ تَكُفَّ وَلَمْ تَجْتَنِبْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّةُ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَإِذَا لَمْ يَقِفْ عَلَى فِعْلِهَا فَلَأَنْ لَا يَقِفَ عَلَى عِلْمِهَا بِهِ أَوْلَى، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ وَقْتَ الْمَوْتِ فَأَمَرَهَا بِالْأَخْذِ بِالْيَقِينِ، وَبِهِ نَقُولُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهَا مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ مِثْلُ قَوْلِ الْعَامَّةِ، فَأَمَّا إنْ يُحْمَلَ عَلَى الرُّجُوعِ أَوْ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَأَمَّا بَيَانُ أَنْوَاعِ الْعِدَدِ فَالْعِدَدُ فِي الشَّرْعِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: عِدَّةُ الْأَقْرَاءِ، وَعِدَّةُ الْأَشْهُرِ، وَعِدَّةُ الْحَبَلِ أَمَّا عِدَّةُ الْأَقْرَاءِ فَلِوُجُوبِهَا أَسْبَابٌ مِنْهَا: الْفُرْقَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ هَذِهِ الْعِدَّةُ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ، وَتُعْرَفُ بَرَاءَتُهَا عَنْ الشُّغْلِ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَتَتَزَوَّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَطَأُهَا الثَّانِي فَيَصِيرُ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ»، وَكَذَا إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ يُشْتَبَهُ النَّسَبُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَيَضِيعُ الْوَلَدُ أَيْضًا لِعَدَمِ الْمُرَبِّي، وَالنِّكَاحُ سَبَبُهُ فَكَانَ تَسَبُّبًا إلَى هَلَاكِ الْوَلَدِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ لِيُعْلَمَ بِهَا فَرَاغُ الرَّحِمِ، وَشَغْلُهَا؛، فَلَا يُؤَدِّي إلَى هَذِهِ الْعَوَاقِبِ الْوَخِيمَةِ.
وَشَرْطُ وُجُوبِهَا الدُّخُولُ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخُولِ، وَهُوَ الْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ، فَلَا يَجِبُ بِدُونِ الدُّخُولِ، وَالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَهَا بِطَرِيقِ اسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا قَبْلَهُ إلَّا أَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ أُقِيمَتْ مَقَامَ الدُّخُولِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ الَّتِي فِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى يُحْتَاطُ فِي إيجَابِهِ؛ وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ بِالْوَاجِبِ بِالنِّكَاحِ قَدْ حَصَلَ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ فَتَجِبُ بِهِ الْعِدَّةُ كَمَا تَجِبُ بِالدُّخُولِ بِخِلَافِ الْخَلْوَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ إنَّمَا أُقِيمَتْ مَقَامَ الدُّخُولِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِدُخُولٍ حَقِيقَةً لِكَوْنِهَا سَبَبًا مُفْضِيًا إلَيْهِ فَأُقِيمَتْ مَقَامَهُ احْتِيَاطًا إقَامَةً لِلسَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ فِيمَا يُحْتَاطُ فِيهِ.
وَالْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا تُفْضِي إلَى الدُّخُولِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ، وَهُوَ فَسَادُ النِّكَاحِ، وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ، فَلَمْ تُوجَدْ الْخَلْوَةُ الْحَقِيقِيَّةُ إذْ هِيَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ أَوْ وُجِدَتْ بِصِفَةِ الْفَسَادِ، فَلَا تَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ، وَكَذَا التَّسْلِيمُ الْوَاجِبُ بِالْعَقْدِ لَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ، فَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ.
وَأَمَّا الْخَلْوَةُ الْفَاسِدَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْصِيلَ الْكَلَامِ فِيهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً قِنَّةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُسْتَسْعَاةً لَا يَخْتَلِفُ أَصْلُ الْحُكْمِ بِاخْتِلَافِ الرِّقِّ، وَالْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لَهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِمَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ فِي الْقَدْرِ لِمَا تَبَيَّنَ، وَالْكَلَامُ فِي الْقَدْرِ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ، الْحُرَّةُ كَالْحُرَّةِ، وَالْأَمَةُ كَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ بِحَقِّ اللَّهِ، وَبِحَقِّ الزَّوْجِ، قَالَ تَعَالَى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} وَالْكِتَابِيَّةُ مُخَاطَبَةٌ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَتُجْبَرُ عَلَيْهَا لِأَجْلِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ إيفَاءِ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ ذِمِّيٍّ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي الْفُرْقَةِ وَلَا فِي الْمَوْتِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي دِينِهِمْ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَتْ فِي الْحَالِ جَازَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي الذِّمِّيَّةِ تَحْتَ ذِمِّيٍّ إذَا مَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ فِي الْحَالِ جَازَ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا؛ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الذِّمِّيَّةَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ سَائِرُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ.
كَذَا هَذَا الْحُكْمُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَمَّا إنْ تَجِبَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِحَقِّ الزَّوْجِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إيجَابِهَا بِحَقِّ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَعْتَقِدُ حَقًّا لِنَفْسِهِ وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِهَا بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِالْقُرُبَاتِ إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا تُمْنَعُ مِنْ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ الثَّانِي يُوجِبُ اشْتِبَاهَ النَّسَبِ، وَحِفْظُ النَّسَبِ حَقُّ الْوَلَدِ، فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ فَكَانَ عَلَى الْحُكْمِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ بِالْمَنْعِ مِنْ التَّزْوِيجِ وَلَا عِدَّةَ عَلَى الْمُهَاجِرَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهَا الْعِدَّةُ،، وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، فَإِنْ جَاءَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا وَتَرَكَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْكَافِرَةُ تَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ لِحَقِّ الْمُسْلِمِ وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحَقِّ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَعَلَى أَصْلِهِمَا وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى الْكَافِرَةِ لِجَرَيَانِ حُكْمِنَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَجْرِي حُكْمُنَا عَلَى الْحَرْبِيَّةِ وَلَا عِدَّةَ عَلَى الزَّانِيَةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ.
وَمِنْهَا الْفُرْقَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي أَوْ بِالْمُتَارَكَةِ، وَشَرْطُهَا الدُّخُولُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يُجْعَلُ مُنْعَقِدًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهِيَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ وَقَدْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى الِانْعِقَادِ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَصِيَانَةً لِلْمَاءِ عَنْ الضَّيَاعِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَتَجِبُ هَذِهِ الْعِدَّةُ عَلَى الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ، وَالْكِتَابِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْفُرْقَةُ، وَالْمَوْتُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ هَذِهِ الْعِدَّةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبْرَاءِ وَقَدْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِوُجُودِ الْوَطْءِ، فَأَمَّا عِدَّةُ الْوَفَاةِ فَإِنَّمَا تَجِبُ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ إظْهَارُ الْحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ نِعْمَةِ النِّكَاحِ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ- اللَّهُ تَعَالَى- وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يَكُنْ نِعْمَةً ثُمَّ يُعْتَبَرُ الْوُجُوبُ فِي الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الْفُرْقَةِ، وَفِي الْمَوْتِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ مِنْ آخِرِ وَطْءٍ وَطِئَهَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
وَمِنْهَا الْوَطْءُ عَنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ بِأَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تُقَامُ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ، وَإِيجَابُ الْعِدَّةِ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ.
وَمِنْهَا عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ.
وَمِنْهَا مَوْتُ مَوْلَاهَا بِأَنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَسَبَبُ وُجُوبِ هَذِهِ الْعِدَّةِ هُوَ زَوَالُ الْفِرَاشِ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا عِنْدَهُ هُوَ زَوَالُ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ مَقَادِيرِ الْعِدَدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.